الثعلبي

76

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

قال قطرب من قرأ وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ : يريد أقبل ، من قول العرب دبر فلان أي جاء خلفي ، فكأنّه دبر خلف النهار . قال أبو الضحى : كان ابن عباس يعيب على من يقرأ دبر ويقول : إنما يدبّر ظهر البعير ، وقال الفراء : هما لغتان دبّر وأدبر . قال الشاعر : صدعت غزالة قلبه بفوارس * تركت مسامعه كأمس الدابر « 1 » وقال أبو عمرو : دبّر لغة قريش . وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ قرأه العامة بالألف أي أضاء وأقبل ، وقرأ ابن السميع وعيسى ابن الفضل سفر بغير ألف ، وهما لغتان يقال : سفر وجه فلان وأسفر ، إذا أضاء ، ويجوز أن يكون من قولهم : سفرت المرأة إذا ألقت خمارها عن وجهها ، ويحتمل أن يكون معناه نفي الظلام كما سفر البيت أي يكنس ويقال للمكنسة المسفرة . إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ يعني أن سفر لإحدى الأمور العظام وواحد الكبر كبرى : نَذِيراً لِلْبَشَرِ يعني أنّ النار نذير للبشر قال الحسن : والله ما أنذر الله بشيء أدهى منها ، وهو نصب على القطع من قوله : لَإِحْدَى الْكُبَرِ ؛ لأنها معرفة و نَذِيراً نكرة . قال الخليل : النذير مصدر كالنكير ، فلذلك وصف به المؤنث ، وقيل : هو من صفة الله سبحانه مجازه : وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً . . . ، نَذِيراً لِلْبَشَرِ أي إنذارا لهم . قال أبو رزين : أنا لكم منها نذير فاتقوها ، وقيل : هو صفة محمد ( عليه السلام ) ، ومعنى الكلام : يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قم نَذِيراً لِلْبَشَرِ فأنذر ، وهو معنى قول ابن زيد ، وقرأ إبراهيم عن أبي غيلة نذيرٌ للبشر بالرفع على إضمار هو . لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ في الخير والطاعة أَوْ يَتَأَخَّرَ عنها في الشر والمعصية نظيره ودليله وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ يعني في الخير وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ عنه قاله الحسن ، وهذا وعيد لهم كقوله : فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ « 2 » يعني أنّه نذير لهما جميعا . كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ مرتهنة بكسبها مأخوذة بعملها . إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ فإنهم لا يحاسبون ولا يرتهنون بذنوبهم ولكن يغفرها الله لهم ويتجاوزها عنهم كما وعدهم . قال قتادة : غلق الناس كلّهم إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ واختلفوا فيهم . فأخبرني ابن فنجويه قال : حدّثنا ابن [ شنبه ] « 3 » قال : حدّثنا رضوان بن أحمد قال : حدّثنا أحمد بن عبد الجبار قال : حدّثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي اليقظان عن زاذان عن علي في قوله : إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ قال : هم أطفال المسلمين .

--> ( 1 ) بلاغات النساء : 129 . وفيه : مناظره كأمس الدائر ، وفي تاريخ دمشق ( 43 / 497 ) : قرعت العابر . ( 2 ) سورة الكهف : 29 . ( 3 ) غير مقروءة في المخطوط والظاهر ما أثبتناه .